بحث عن الهجرة السرية بالمغرب - فرسان الترافيك -

728x90 AdSpace

7‏/11‏/2015

بحث عن الهجرة السرية بالمغرب

بحث عن الهجرة السرية بالمغرب
مقدمة : 



لقد عرف المجتمع الدولي خلال العقود الأخيرة تحولات كبيرة بفعل التطورات العلمية لا سيما في المجالين التكنولوجي ووسائل الاتصال الحديثة، مما انعكس على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للعديد من الدول أضحت تجلياتها تظهر في شكل أنماط جديدة من العلاقات والتعامل بين الدول في مختلف أوجه حياتها، فضلا عما أصبحت تفرزه مظاهر العولمة نتيجة لذلك من مضاعفات ساهمت في تعقيد هذه العلاقات. 



ولقد كان لهذا الواقع الجديد آثار متشعبة إن على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي، كما أن من أهم نتائج ذلك اتساع مجالات انفتاح الدول على بعضها وتصاعد وتيرة تنقل مواطنيها خارج حدودها. 



ونظرا لإفرازات التطور الاقتصادي والتكنولوجي السلبية وإلغاء العديد من الحدود بين الدول أضحت الجريمة تعرف أشكالا تنظيمية جديدة تجلت ذروتها في ما أصبح يعرف بالجريمة المنظمة غير الوطنية، حيث أمست ترتبط بمختلف أنواع الجرائم الأخرى، ذلك أن نفس العصابة المنضوية في إطارها قد تجمع بين ارتكاب جرائم الاتجار في المخدرات وهجرة سرية وإرهاب إلخ...، وذلك عبر تراب العديد من الدول متجاوزة كل الحدود الجغرافية. 



والمغرب بحكم موقعه الجغرافي كأقرب نقطة من أوربا، مستهدف من طرف شبكات الهجرة السرية سواء عن طريق هجرة مواطني دول جنوب الصحراء أو تهجير مواطنين إلى دول أخرى، أضحى بلد عبور واستقبال للعديد من المهاجرين، وتبذل السلطات المغربية جهودا كبيرة في محاربة الهجرة السرية وتفكيك شبكات المهربين.



فإذا كانت الهجرة مصدر غنى ثقافي وتلاقح للحضارات وتساعد على تمازج وتلاحم الشعوب في نظام دولي تسوده المساواة وتعم فيه قيم التضامن، فإنه في غياب تنظيم لهذه الهجرة تصبح مبعثا للقلق وتقتضي التدخل لتطويق كل سلبياتها على أن يتم هذا التدخل في حدود المتعارف عليه دوليا من إجراءات وتدابير بعيدة عن كل تعسف.



وبحكم انفتاحه على مختلف الشعوب والحضارات وجد المغرب نفسه في صلب هذه الظاهرة، ومن هذا المنطلق فقد انخرط في نفس السياق حيث أبرم عدة اتفاقيات ثنائية وإقليمية ومتعددة الأطراف تتمحور حول الإطار العام للتعاون القضائي الدولي في الميدان الجنائي، ومن أهم السمات التي يتسم بها هذا النوع من التعاون هو تجاوز إشكالية إقليمية القانون وسيادته اعتبارا إلى أن الدولة في ظل انغلاقها في إطار هذا المبدأ سوف لن تكون قادرة على مواجهة هذا النمط من الإجرام العابر للحدود، ولن يتأتى لها أن تطال مختلف أطرافه، ولا الوسائل المستعملة في ارتكابه بحكم كونها تتوزع بين عدة أقطار.



واعتبارا لهذه المعطيات جاء القانون رقم 02.03 المتعلق بإقامة ودخول الأجانب إلى المملكة المغربية وبالهجرة غير الشرعية يحدد كيفية دخول وإقامة الأجانب فوق التراب المغربي، لوضع نظام عام يقنن شروط دخول البلد والإقامة به ويحدد تدابير قانونية تهدف إلى محاربة الهجرة السرية وفرض عقوبات زجرية صارمة على العصابات والشبكات الإجرامية التي تنشط وتحترف المتاجرة في البشر الحالمين بفردوس خارج الحدود، وقد تم سن ترسانة قانونية في مجال الهجرة ومواكبتها للمستجدات التي طغت على الساحة العالمية في العقود الأخيرة إضافة إلى ما أقدمت عليه السلطات العمومية من تجنيد كل الطاقات البشرية والمادية الممكنة لشن حرب لا هوادة فيها على هذه الشبكات، والكل في ظل سيادة القانون والوفاء بالالتزامات الثنائية والجهوية والدولية، ويمكننا أن نؤكد أن بلدنا مهيأة من الناحية التشريعية لمكافحة ظاهرة الهجرة غير المشروعة لتوفرها على ترسانة قانونية تضاهي القوانين الحديثة تتوفر على خاصيتين : 



أولهما : إقرار تدابير إدارية وقضائية فعالة للحد من الظاهرة.



وثانيهما : التزامه باحترام حقوق الإنسان المهاجر وتوفير ظروف وشروط المحاكمة العادلة.



وتجسيدا لهذا التوجه المتعدد الأبعاد عمل المغرب على إبرام مجموعة من الاتفاقيات الدولية سواء المتعلقة بالتزامات وحقوق المهاجرين أو التزامات وحقوق الأجانب المقيمين، وسن قانون 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية والإقامة غير المشروعة الذي جاء منسجما مع أحكام هذه الاتفاقيات، كما أحدث أجهزة متخصصة في شؤون الهجرة ومراقبة الحدود منها مديرية الهجرة ومراقبة الحدود والمرصد الوطني للهجرة إسهاما منه في إيجاد سياسات عمومية ناجعة للحد منها في تعاون تام مع جميع الفاعلين والشركاء لمعالجة دوافعها العميقة وانعكاساتها السلبية، الشيء الذي ساهم في التقليص من الظاهرة في إطار عمل مشترك يهدف إلى محاربة الهجرة السرية عبر الحدود سواء على المستوى الوطني أو الدولي.



والمهمة الأساسية للهيئة الأولى هي التطبيق العملي للإستراتيجية الوطنية في مجال مكافحة شبكات تهريب الأشخاص ومراقبة الحدود وستتولى القيام بأعمال هذه المديرية 'فرقة وطنية للبحث والتقصي" مكلفة بمحاربة الهجرة السرية، وستختص في التحقيق في الملفات المتعلقة بتهريب الأشخاص على مجموع التراب الوطني.



كما تم تشكيل سبع مندوبيات على مستوى الأقاليم والعمالات الآتي ذكرها : طنجة – تطوان – العرائش – الحسيمة – الناظور – وجدة – العيون، تكمن مهمتها في تنفيذ الإستراتيجية الوطنية على الصعيد الجهوي في مجال مكافحة الهجرة السرية.



وإحداث لجان محلية في باقي العمالات والأقاليم مرتبطة بالولاة والعمال، تتولى جمع المعطيات المتعلقة بالهجرة وإبلاغها إلى المديرية العامة للهجرة.



أما الهيئة الثانية "مرصد الهجرة" فتقوم بالمهام التالية : 



- بلورة إستراتيجية وطنية في مجال الهجرة كمهمة رئيسية، 

- مركزة جميع المعلومات المرتبطة بها، 

- تحيين قاعدة للمعطيات الإحصائية على الصعيد الوطني، 

- اقتراح إجراءات ملموسة في مجال الهجرة، 

- إنجاز دراسات والقيام بمشاريع للبحث، تتناول اتجاهات تدفقات الهجرة، 

- نشر تقارير دورية حول الهجرة.



وستتكون هذه الهيئة من جميع القطاعات المعنية بهذا المجال : وزارة الداخلية – وزارة الشؤون الخارجية والتعاون – وزارة العدل – المالية – التشغيل – القوات المسلحة الملكية – البحرية الملكية – الجمارك – الإدارة العامة للأمن الوطني – الدرك الملكي – القوات المساعدة.



1) أبعاد ظاهرة الهجرة السرية : 



لقد أصبحت ظاهرة الهجرة السرية وما يترتب عنها من اتجار في البشر تطغى على اهتمام مختلف الدول المعنية بها، سواء المصدرة لها أو تلك المستقبلة لها، ولذلك فقد أفرزت حشدا للهمم من كل حدب وصوب لمواجهتها، وسنت قوانين لتنظيمها وحددت مقتضيات لزجر المعنيين بها. 



والحديث عن الهجرة الغير المشروعة يحملنا إلى استحضار بعض المراحل التاريخية للهجرة ولو بعجالة. 



لقد كانت الهجرة عبر أقطار العالم في ما مضى وحتى أواسط القرن الماضي شيئا مرغوبا فيه، وظاهرة صحية تتبادل بموجبها المصالح والخبرات، وأيضا بناء الاقتصاد من خلال تشغيل اليد العاملة، ولم تكن موضوع اعتراض أو مراقبة من لدن العديد من الدول حتى تلك التي كانت لديها مقتضيات قانونية تنظم اليد العاملة.



وانطلاقا من النصف الثاني من القرن الماضي وعلى خلفية الحرب العالمية الثانية عملت أغلب دول أوربا الغربية لا سيما المطلة منها على حوض البحر الأبيض المتوسط على استقطاب العديد من اليد العاملة، وذلك لما كانت تعانيه في هذا المجال جراء نتائج الحرب، وأمام هذا الوضع فقد تدفق الجيل الأول من المهاجرين من مختلف الدول الإفريقية لا سيما من دول المغرب العربي نحو العديد من الدول الأوربية، ومع تعرض الدول الصناعية الغربية بأوربا للأزمة الناجمة عن الطاقة (البترول) في أواسط السبعينات طرأت معطيات جديدة تجلت في الاستغناء عن العديد من اليد العاملة، مما تكاثر معه طلب العمل من لدن مواطني تلك الدول، وهو ما دفع بالدول الغربية إلى مواجهة تدفق المهاجرين بإغلاق حدودها واستيطان اليد العاملة الإفريقية بصفة نهائية مع ما سوف يترتب عن ذلك من آثار مستقبلية.



وبعد أن أخذ هذا الوضع منحى جديدا أثيرت أزمة داخل الدول، حيث لجأت إلى فرض تأشيرة الدخول إلى أراضيها (تشينكن)، وبذلك أدارت ظهرها لشغيلة الأمس لتفتحه انطلاقا من نهاية الثمانينات وبداية التسعينات في وجه السوق الداخلية الأوروبية لا سيما للشغيلة القادمة من أوروبا الشرقية، وأمام هذا الوضع الجديد بدأت إشكالية الهجرة السرية تطرح نفسها بحدة على كل من الدول المصدرة للهجرة والمستقبلة لها على حد سواء، فتم طرح جملة مقترحات لمعالجة الموضوع تنبني على منظور تنمية الدول الإفريقية المعنية ومساعدة الدول القريبة لها في ذلك معتمدة كآلية في هذا الاتجاه على مساعدة هذه الدول على الانفتاح على اقتصاديات دولية أخرى بما في ذلك الأوربية وتشجيعها على الاستثمار.



وأمام فشل هذه المعالجة طرحت بدائل أخرى أهمها التعاون في إطار الشراكة الاقتصادية بين الدول الأوربية والدول الإفريقية المعنية، غير أنها بدورها لم تكن لتجد حلا للإشكالية، فالتباين الصارخ بين نسبة الولادات ومستوى النمو الديموغرافي من جهة وبين نسبة النمو الاقتصادي في الدول الإفريقية لم يمكن من إنجاح أي من المقترحات الأوربية.



وأمام هذا الوضع وتشبث الدول الأوربية بإغلاق حدودها، وما عرفته العديد من دول إفريقيا من سنوات الجفاف وما لذلك من تأثير على الميدان الفلاحي، وفي غياب سياسة تنموية في هذه الدول المصدرة للهجرة تنبني على أسس جديدة من الاستثمار وتدبير الشأن العام بغية خلق فرص للشغل، فقد أضحت وضعية اليد العاملة بها في تراجع وتدهور مستمرين فضلا عن تدني أجور العاملين منهم وارتفاع مستوى العيش وتكاليف الحياة بصفة عامة، مما أدى إلى انسداد الأفق أمامها والتفكير في شد الرحال إلى دول الغرب حيث يحلمون بالخلاص.



ونتيجة لهذا الوضع، فقد أضحت أفواج من المهاجرين تبحث عن مختلف الوسائل والسبل للالتحاق سرا بالضفة الأخرى، مما جعل الدول الغربية تنظر إلى هذه الظاهرة بمثابة تهديد لأمنها وإخلالا باقتصادها الوطني نظرا لكون المهاجر السري يعمل في السوق السوداء، وهو ما يمس بقواعد المنافسة الشريفة، فضلا عن المس باستراتيجيتها التي تتجه إلى تشغيل اليد العاملة القادمة من دول أوربا الشرقية التي تندرج ضمن الاتحاد الأوربي.



وموازاة مع الجانب الاقتصادي، فإن الهجرة أصبحت بمثابة هاجس بالنسبة للدول الأوربية، ترى فيها مصدرا للتخوف من مظاهر التطرف وسببا في انتشار أنماط الجريمة. 



وهكذا وفي ظل هذا الوضع المأساوي نشأت بوادر الهجرة الغير المشروعة وبدأ البحث عن أساليب احتيالية للهجرة ظهر في إطارها في البداية جماعة من المهربين ليتحولوا فيما بعد إلى عصابات لتهجير البشر والاتجار فيهم، حيث أضحت عندهم بمثابة تجارة مربحة تذر أموالا طائلة تصل حسب بعض الإحصائيات إلى 10 مليارات دولار سنويا. 



وقد نتج عن هذه الظاهرة ظهور عدة مآسي تتمثل في ما يتعرض له هؤلاء المهاجرون من نصب واعتداءات جسدية وسرقات واغتصاب ومختلف أشكال العنف بل إلى الموت أحيانا لا سيما إثر تعريضهم للسرقة، ناهيكم عما تخلفه عمليات نقلهم عبر البحر بواسطة ما أصبح يعرف بقوارب الموت من مئات الضحايا سنويا. 



وتعتبر هذه الظاهرة من أبشع صور انتهاك حقوق الإنسان وامتهان لكرامته، وإيمانا منه بفداحة نتائج هذه الظاهرة فقد أصدر المنتظم الدولي عدة مواثيق دولية منها : 



· النظام الأساسي لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين اعتمدته الأمم المتحدة بموجب قرارها عدد 428 بتاريخ 14/12/1950، 

· الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة للمفوضين بشأن اللاجئين وعديمي النية الحسنة بتاريخ 28/07/1951،

· الإعلان المتعلق بحقوق الإنسان للأفراد الذين ليسوا من مواطني البلد الذي يعيشون فيه،

· قرار الجمعية العامة عدد 52/132 بتاريخ 12/12/1997 الذي نبه إلى الهجرات الجماعية للسكان سيما نتيجة عوامل متعددة، 

· قرار الجمعية العامة عدد 52/97 بتاريخ 12/12/1997 خصص جزء منه لأوضاع النساء في البلدان النامية اللواتي يهجرن لكسب العيش نتيجة الفقر والبطالة، 

· الاتفاقية المتعلقة بحماية المهاجرين والاتجار بالأشخاص المؤرخة سنة 1990 والبروتوكول المتعلق بها سنة 2000،

· الاتفاقية الدولية بشأن مكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية المتحدث عنها، حيث خصصت جزءا مهما للهجرة السرية، 

· بروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البر والبحر والجو المكمل للاتفاقية المذكورة،

· البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء وفي المواد الإباحية، 

· مبدأ حقوق الإنسان للمهاجرين القرار 48/2000 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان،

· الاتفاقية الدولية حول حماية حقوق كافة العمال المهاجرين وأفراد عائلاتهم المؤرخة في يوليوز 2003 (تغير اتفاقية العمال المهاجرين لسنة 1949)، واتفاقية العمال المهاجرين لسنة 1975. 



واعتبارا إلى موقع المغرب الجغرافي وقربه من أوربا على ضفتي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي مما جعل منه منطقة عبور يحج إليه أغلب المهاجرين سرا إلى أوربا والقادمين من دول جنوب الصحراء.



وأمام تزايد الأعداد الهائلة من المهاجرين السريين فقد تم دق ناقوس الخطر للمطالبة بتظافر الجهود للتصدي له وفق ما تفرضه الأوفاق الدولية من حفظ كرامة المهاجر كإنسان وضمان حقوقه، كما يتطلب الأمر أيضا التصدي لمختلف العصابات والأفراد النشيطين في المساعدة على الهجرة السرية وتنظيمها. 



ومن مميزات هذه الظاهرة بالمغرب أنها لا تقتصر فقط على المواطنين المغاربة، ولكنها تشمل أعداد هائلة من المواطنين الأفارقة القادمين على الخصوص من جنوب الصحراء والذين تعج بهم المناطق الشمالية، حيث لم يعد المغرب مجرد منطقة عبور وإنما أصبح مركز استقبال للمواطنين الأفارقة القادمين على وجه الخصوص من دول جنوب الصحراء. 



ولقد خلفت هذه الوضعية إشكالية ذات بعدين، الأول إنساني والثاني قانوني، فالإنساني يتمثل في الظروف التي يتواجدون فيها وكيفية مواجهة أوضاعهم إنسانيا وأخلاقيا، أما البعد القانوني فيتمثل في معاناة مصالح الأمن من عمليات إبعادهم، وأمام رفض بلدانهم التكفل بعلاجهم وإعالتهم وما يصاحب ذلك من ظروف ضبطهم من طرف مصالح الشرطة القضائية وإخفائهم لهوياتهم وجنسياتهم لكونهم لا يتوفرون على أية وثيقة لإثبات هوياتهم، وقد شملت هذه الظاهرة أيضا استغلال النساء والأطفال، حيث أصبحت الشبكات المختصة في هذا المجال تتاجر في أعراضهم لا سيما الفتيات الصغيرات منهم، مما يطرح إشكالية كبيرة خاصة منهم الأطفال غير المرافقين، حيث تفرز هذه الوضعية حساسية كبيرة سواء لدى الدول المستقبلة أو بلادنا. وفي هذا السياق فقد عمد المشرع المغربي إلى سن القانون رقم 02.03 المتعلق بضبط وتنظيم الهجرة غير المشروعة.



وكان من أهم نتائج اتساع مجالات انفتاح الدول على بعضها وتصاعد وثيرة تنقل مواطنيها خارج الحدود أن تم سن قانون يهدف إلى حماية حقوق المهاجرين بمختلف فئاتهم في انسجام مع الاتفاقيات الدولية وتجسيد ذلك في مجال التعاون الدولي. 



ولقد تناول هذا القانون كيفية مراقبة عمليات الهجرة من وإلى المغرب، كما ضاعف من العقوبة المطبقة على المهاجرين السريين الذين يدخلون أو يخرجون من المغرب بصفة غير شرعية باستعمال وثائق مزورة أو وسائل تدليسية، حيث حدد عقوبة ذلك في الحبس من شهر إلى 06 أشهر وغرامة من 3.000 درهم إلى 10.000 درهم (المادة 50)، كما أفرد عقابا لكل موظف عمومي قدم مساعدة للمهاجرين سرا تتراوح بين سنتين إلى 05 سنوات وغرامة بين 50.000 درهم إلى 500.000 درهم (المادة 51)، كما نص على تجريم الشبكات الإجرامية المنظمة للهجرة السرية.





2) المقاربة التشريعية لظاهرة الهجرة غير المشروعة في ظل القانون المغربي : 



إن ظهير 08/11/1949 الذي كان ينظم الهجرة السرية وهو يرجع لعهد الحماية لم يعد يساير التطورات المرحلية التي عرفها ميدان الهجرة الغير المشروعة فدعت الضرورة لإحداث تشريع جديد يواكب ويحكم هذه الظاهرة وهو قانون رقم 02.03 تاريخ 11/11/2003 الذي عالج هذه الظاهرة والخطورة التي تشكلها على المغرب وعلى علاقته بالدول الأوربية وسن المقتضيات القانونية والمتعلقة بالجنح والمخالفات المتصلة بإقامة الأجانب بالمغرب، وأقر عقوبات رادعة للحد من هذه الظاهرة سواء على المستوى الوطني أو الدولي، والتصدي لها بكل حزم والضرب على يد المنظمين والمساهمين في انتشارها وإعطاء فرصة لضحاياها للعدول عنها.



وإذا كانت الإقامة المشروعة ببلد ما تحميها قوانين واتفاقيات دولية فإن الهجرة الغير المشروعة تتجلى في انعدام تلك المشروعية، فكل أجنبي لا يتوفر على سندات قانونية تبرر دخوله التراب المغربي، أو الإقامة به يعتبر متواجدا بصفة غير قانونية ويمكن اقتياده إلى الحدود بموجب قرار قابل للطعن، كما يمكن للإدارة الوطنية رفض دخوله إلى المغرب.



2 – 1 - الأحكام الزجرية المعاقبة لجرائم الهجرة الغير المشروعة : 



يرى المهتمون بموضوع الهجرة السرية أن المبادرة الملكية بإحداث الهيئتين المنوه بهما أعلاه تعطي دليلا آخر ملموسا على الرغبة الأكيدة للمغرب لا في عدم تشجيع الهجرة فحسب، بل أيضا رغبته الجامحة في مكافحة هذه الظاهرة بكل الوسائل ومحاربة مافيات الهجرة الغير المشروعة التي تستغل ظروف المرشح للزج به في غيبات مياه البحر، وبذلك تعد مبادرة رائدة لمقاربة جديدة في موضوع الهجرة.



وحسب نفس المصدر أن مرصد الهجرة فكرة جيدة على اعتبار أنه لكي نحارب هذه الظاهرة فلا بد من معرفة الواقع الحقيقي لهذه العملية من حيث الأرقام والإحصائيات، ومن حيث طريقة اشتغال مافيات الهجرة السرية، وعلى هذا الأساس لا مناص من تتبع ورصد وتحليل معرفي وعلمي لهذه المعضلة. 



وهكذا جرم المشرع المغربي من خلال القانون رقم 02.03 الهجرة الغير الشرعية والمساعدة عليها وتنظيمها، حيث عاقبت المواد 50 ، 51 و52 منه بعقوبات حبسية ومالية كل شخص غادر التراب المغربي بصفة سرية أو قدم مساعدة أو عونا لشخص آخر من أجل نفس الغاية سواء كان هذا الشخص يضطلع بمهمة قيادة قوة عمومية أو كان ينتمي إليها أو كان مكلفا بمهمة المراقبة أو كان من المسؤولين أو الأعوان أو المستخدمين العاملين في النقل البري أو البحري أو الجوي أو في أية وسيلة أخرى من وسائل النقل أيا كان الغرض من استعمال هذه الوسائل، كما عاقبت المادة 52 من نفس القانون بالحبس والغرامة كل شخص نظم أو سهل دخول أشخاص مغاربة أو أجانب بصفة سرية إلى التراب المغربي أو خروجهم منه بإحدى الوسائل المشار إليها أعلاه سواء كان ذلك مجانا أو بعوض بل شدد في العقوبة من الحبس إلى السجن والغرامة إذا ارتكبت تلك الأفعال بصفة اعتيادية أو من طرف عصابة أو بناء على اتفاق مسبق، وتصل العقوبة إلى السجن المؤبد إذا أدت تلك الأفعال إلى الموت، كما خولت المادة 53 من نفس القانون للمحكمة حق مصادرة وسائل النقل المستعملة في ارتكاب جرائم الهجرة السرية أيا كان نوعها (عامة أو خاصة) وكذا الأمر بنشر قرارات الإدانة بالجرائد التي تحددها بكيفية صريحة. 



وفي إطار الاختصاص فقد أعطى المشرع المغربي لمحاكم المملكة حق النظر في أية جريمة منصوص عليها في هذا القانون أيا كان مكان ارتكابها في الوطن أو خارجه وبغض النظر عن جنسية مقترفيها، غير أن هذه المقتضيات يتوقف تطبيقها على عدم مخالفتها للاتفاقيات الدولية ذات الصلة حسب الفصل الأول من القانون رقم 02.03 المؤرخ في11/11/2003. 



2 – 2 - الضمانات القانونية التي خولها القانون المغربي للأجانب : 



لقد حرص هذا الظهير على أن يمنح عدة ضمانات للمهاجر الشرعي سواء بطرق الطعن أمام القضاء الإداري أو العادي للمقررات الصادرة في حقه، أو أن يشعر من يريد من ذويه أو ممثلي البعثة الدبلوماسية ببلده، أو اختيار محام لمؤازرته، أو الاحتفاظ به في مراكز غير تابعة لإدارة السجون، أو الاحتفاظ به في المطارات أو الموانئ التي دخل منها.



القرارات التي حددها هذا القانون ضد المهاجر الغير الشرعي هي : 



1) قرار الطرد من التراب المغربي.

2) قرار الاقتياد للحدود.

3) قرار الاحتفاظ بالأجنبي في أماكن معينة إذا ما دخل المغرب برا أو بحرا أو جوا.



2 – 3 - حقوق المهاجرين المودعين : 



تتمثل هذه الحقوق في : 

- ضرورة علم المهاجر بوضعه في مركز الإيواء وبالحرص على احترام حياته وسلامته البدنية والصحية ولا يمكن تحت أي طائل أن يكون محل معاملة سيئة أو محل عنف بالقول أو العمل كما تحترم كرامته وخصوصيات حياته.



- تسهيل العمل بالحقوق المصرح بها في الأمر القضائي بدون حدود غير تلك التي تمليها وضعية الإيداع.



- الحصول على المساعدة الطبية والصحية المناسبة للمودع.


- إشعار السلطات الدبلوماسية لبلده.


- أن يتوفر على دفاع يؤازره، وله أن يتصل به اتصالا خاصا ولو حتى خارج أوقات العمل المحدد للمركز إذا كان هناك ضرورة للاستعجال معللة. 


- يحق له التوفر على مترجم إذا كان لا يفهم أو يتكلم اللغة العربية وذلك بدون مقابل متى كان لا يتوفر على الوسائل المادية.


- توفير الخصوصية العائلية للمعني بالأمر واحترامها في حالة مصاحبته لأطفال قاصرين.


ومن نافلة القول، نشير إلى أن ظاهرة الهجرة السرية أضحت أكثر من أي وقت مضى تستأثر باهتمام الأوساط الحكومية والسياسية وفعاليات المجتمع المدني إن على المستوى الوطني أو الدولي، بغية تدارس أسبابها، وإيجاد حلول كفيلة بمعالجتها، أمام تنامي المآسي الناجمة عنها بشكل مهول وملفت للنظر.



3) الآليات القضائية والقانونية الكفيلة بإنفاذ القانون : 



أمام الوضع المأساوي الذي أصبح عليه عالم اليوم وعجز الدولة عن مواجهة الظاهرة انطلاقا من داخل حدودها المغلقة ضمن إطار مبدأ السيادة، فقد أعلنت العديد من الدول ومن بينها المغرب ناقوس الخطر، وبادرت إلى عقد لقاءات للبحث عن الآليات اللازمة لمواجهة الظاهرة، وهكذا فقد سارعت أغلبية الدول إلى إبرام اتفاقيات إما ثنائية أو إقليمية أو دولية من أجل وضع القواعد الإطار للتعاون القضائي والأمني فيما بينها، وسن وسائل للتنسيق بين أجهزتها المعنية. 



لا يمكن لبلد بمفرده أو لضفة دون أخرى التغلب على هذه الظاهرة وهذا ما يفرض إدماج المقاربة القانونية والأمنية ضمن إستراتيجية شمولية وأساسية للتنمية والتعاون الأمثل بين الدول بتمكين بلدان الضفة الجنوبية لغرب المتوسط من الموارد الضرورية والوسائل التكنولوجية واللوجيستيكية، بوجود ترسانة قانونية حديثة تمكن المغرب من تفعيل المقتضيات القانونية المتمثلة في القانون رقم 02.03 المؤرخ في 11/11/2003 المتعلق بإقامة ودخول الأجانب والهجرة غير الشرعية، إضافة إلى وجود إطار عام يتمثل في قانون المسطرة الجنائية التي أدخلت عليه تعديلات عديدة في الشق المتعلق بالتعاون القضائي الدولي بخصوص تفعيل مساطر التسليم والإنابات القضائية الدولية وإصدار أوامر دولية بإلقاء القبض حتى يصير في تناغم مع المنظومة الدولية لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية الثنائية ومن بينها :



· الاتفاقية المغربية الإسبانية المؤرخة في 13/02/1992. 

· الاتفاقية المغربية الإيطالية المؤرخة في 27/07/1997.

· الاتفاقية المغربية الفرنسية المؤرخة في 25/04/2001.



وفي نفس الإطار، تم إنشاء الشبكة المغربية الإسبانية للتعاون القضائي الثنائي وإحداث موقع إلكتروني www.RMCJI.com لضم قضاة الحكم والنيابة العامة من ذوي الخبرة في ميدان التعاون القضائي الدولي يناط بها السهر على تسهيل وتحسين وتشجيع التعاون القضائي الدولي الذي يطلب من المغرب ويقدم إليه وذلك من خلال إسداء المشورة للسلطات القضائية المعنية سواء منها الوطنية أو الأجنبية ودعمها والسعي إلى ربط الاتصال فيما بينها بصفة غير رسمية في الحالتين التاليتين : 



الحالة الأولى للرد على الاستشارات المحددة للسلطات القضائية في إطار تدخل غير رسمي لا ينفي الاحترام لآليات التعاون الرسمية المنصوص عليها في الاتفاقيات الجاري بها العمل.



والحالة الثانية للمساهمة في خلق أدوات كفيلة بتسهيل وتحسين وتشجيع التعاون القضائي الدولي، لضمان السرعة والفعالية وربح الوقت وتوزيع المعلومة في أقرب الآجال لضمان تواصل بين القضاة المغاربة والإسبان من أجل تجاوز العراقيل وتبسيط المساطر دون إغفال تعزيز التعاون القضائي الدولي عن طريق تعيين قضاة الاتصال في الاتجاهين مع كل من فرنسا، إسبانيا، بلجيكا وهولندا. 


ومن تمظهرات هذا التعاون القضائي، فقد تسلمنا بتاريخ 10/01/2007 من السلطات البلجيكية مواطنا مغربيا قضية "فؤاد أبابري" وتسلم السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة في غضون هذه السنة مواطنا باكستانيا يدعى "راجا جافيد RAJA JAVID" تورط في تكوين عصابة إجرامية للهجرة السرية من طرف السلطات القضائية الإسبانية.


ومن خلال مراجعة مقتضيات الفصل الأول من القانون 02.03 المؤرخ في 11/11/2003 المتعلق بإقامة ودخول الأجانب والهجرة غير الشرعية نص صراحة على مراعاة مفعول الاتفاقيات الدولية على القانون الوطني "باستثناء المقتضيات المخالفة التي تنص عليها المعاهدات فإن شروط ومسطرة وآثار إبعاد الأجانب تخضع للمقتضيات المنصوص عليها في هذا القانون".


والناتج أنه لا يمكن التصدي لشبكات الهجرة السرية التي قد تكون لها امتدادات دولية إلا عبر تظافر جهود جميع الدول المعنية بهذه الظاهرة، علما أن القوانين الوطنية لم تعد تكفي لوحدها لمواجهة الظاهرة بل تحتاج إلى تعاون دولي يتعدى الجانب الأمني المحض إلى توظيف المقاربة التنموية حيث يبقى على الشركاء في الضفة الأخرى التفكير في توفير شروط التنمية المستدامة للحد من آثار هذه الظاهرة المتعددة المخاطر. 



خلاصة : 



هذا وخلاصة القول، فإن ظاهرة الهجرة السرية برمتها يتوقف على اعتماد استراتيجية جديدة لضمان كرامة الإنسان المهاجر وذلك بخلق فرص للشغل عن طريق منظرو بديل للواقع الحالي يعتمد على تشجيع مختلف المشاريع الاقتصادية ذات البعد التنموي لامتصاص اليد العاملة العاطلة، ولن يتأت ذلك إلا بانخراط الدول الغربية المستقبلة بالإسهام في إيجاد مثل هذه المشاريع الاقتصادية عن طريق الاستثمار الفعال والجاد في الدول المصدرة للهجرة وإمدادها بمختلف الإمكانات التكنولوجية والعلمية. 


واعتبارا لكون الدوافع الأساسية لتنامي الهجرة من دول جنوب البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا بصفة عامة هي دوافع اقتصادية بحتة، فإننا لا بد سنخلق تتمة اقتصادية بدول المنطلق من خلال وضع إستراتيجية للتعاون الاقتصادي والاجتماعي مع دول الاستقبال، وذلك بخلق فضاء اقتصادي ومالي مشترك ومندمج في إطار شراكة شاملة بين بلدان أوربا عموما وبلدان البحر الأبيض المتوسط على الخصوص يعمل على تحسين حياة العمال المعنيين والرفع من مستوى التشغيل ومحاربة الفقر وتصحيح التعاونيات القائمة بين دول الشمال والجنوب، فذلك هو السبيل الأمثل لاستقرار السكان والتقليص من دوافع الهجرة.
>
طباعة الموضوع
بحث عن الهجرة السرية بالمغرب Reviewed by Traffic Warriors on 11/07/2015 Rating: 5 بحث عن الهجرة السرية بالمغرب مقدمة :  لقد عرف المجتمع الدولي خلال العقود الأخيرة تحولات كبيرة بفعل التطورات العلمية لا سيما في...

ليست هناك تعليقات:


تنبيه : الإساءة ممنوعة في التعليقات